الأخبار الثلاثاء 31 آذار 2026
دمشق | لم يعُد ثمة سياسياً ما يمنع استفادة سوريا من موقعها الجغرافي كنقطة عبور أساسية على خريطة تجارة النفط الإقليمية. فالولايات المتحدة التي شكّلت لسنوات طويلة، قبل الحرب السورية وخلالها، العائق الرئيس أمام ذلك، باتت مع تغيّر النظام في دمشق وأزمة مضيق هرمز، داعمة وبشدّة لتحقيق تلك الاستفادة، بحسب ما أعلنه أخيراً موفدها توم برّاك، الذي لم يكتفِ بالإشارة إلى أهمية موقع سوريا كممرّ استراتيجي لعبور خطوط تصدير النفط، وإنما أعاد إحياء مشروع سبق أن طرحه في عام 2009 الرئيس السابق، بشار الأسد، ويتعلّق بربط البحار الأربعة.
وبالعودة زمنياً إلى الوراء قليلاً، فإن هناك ثلاثة مشاريع إقليمية لنقل النفط والغاز عبر البوابة السورية طُرحت منذ مطلع الألفية الجديدة، اثنان منها دخلا فعلياً مرحلتَي المباحثات والتنفيذ. والمقصود هنا، أولاً، مشروع «خطّ الغاز العربي»، الذي وُضع قيد الاستثمار مع نهاية العقد الأول الماضي، قبل أن يتوقّف إثر اندلاع أحداث «الربيع العربي» في عموم المنطقة؛ وثانياً، مشروع إعادة تشغيل أنبوب النفط العراقي الذي شكّل محوراً لمباحثات سورية - عراقية مكثّفة أحبطتها تطورات الحرب السورية، ومن ثمّ انتشار تنظيم «داعش» وسيطرته على مساحات واسعة من أراضي البلدين. أمّا المشروع الثالث، والمتعلّق بخطّ الغاز القطري، فقد بقي في إطار التسريبات الإعلامية غير المؤكّدة بوثائق أو مراسلات أو حتى محاضر اجتماعات للدول المعنيّة.
خيارات عدّة
رغم أجواء التوتر التي لم تغادر منطقة الخليج طيلة السنوات الماضية، والناجمة أساساً عن التهديدات الأميركية - الإسرائيلية لإيران، إلا أن إغلاق مضيق هرمز بقي في نظر الدول والحكومات احتمالاً ضئيلاً لكونه يتعارض مع مصالح جميع الأطراف. وبالتالي، فإن دول المنطقة بقيت تعتمد كلياً على المضيق في تجارتها الخارجية، ولم تعمد إلى وضع خطط بديلة يمكن اللجوء إليها عند حدوث تطور مفاجئ. وهذا ما جعل تداعيات إغلاق «هرمز» اليوم، تبدو كارثية لسببَين: الأول، أن الخيارات البديلة القابلة للاستثمار فوراً لن تُسهِم سوى في تعويض جزء من تجارة المنطقة، قد لا يتجاوز النصف تقريباً بالنظر إلى أن هناك دولاً لا تمتلك أيّ خيارات جاهزة. أمّا السبب الثاني فهو، الوقت الذي تحتاج إليه عملية إيجاد خيارات بديلة من المضيق وتنفيذها.
في الحالة السورية، فإن المطروح على النقاش والبحث اليوم، يتعلّق بإعادة تشغيل خطّ كركوك - بانياس المتوقف منذ سنوات طويلة، والذي يحتاج في الكثير من مقاطعه إلى عمليات صيانة وإصلاح وتجهيز، وهو أمر يتطلّب تنفيذه عدة أشهر حتى يكون الخطّ جاهزاً لنقل ما يقرب من 300 ألف برميل يومياً من النفط العراقي إلى مرفأ بانياس النفطي. وسابقاً، اقترح السوريون، أيام النظامَين السابق والحالي، إنشاء أنبوب جديد يسير بالتوازي مع الأنبوب السابق بغية رفع القدرة التصديرية النفطية العراقية والإيرانية عبر سوريا، خصوصاً مع استحالة الاستمرار في استثمار الخطّ القديم لفترة زمنية طويلة نتيجة قِدمه وتعرّضه للتآكل. إلّا أن هذا الطرح بقي أسير مذكّرات تفاهم ثنائية أو ثلاثية، لم تدخل حيّز التنفيذ بشكل فعلي، وذلك لأسباب متعلّقة بتوفير التمويل الكبير الذي يحتاج إليه تنفيذ هكذا مشروع، والحاجة إلى استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في كلّ من سوريا والعراق.
أمّا الخيارات الأخرى المُثارة اليوم على وقع إغلاق «هرمز»، فهي تتوزّع بين إمكانية قيام بعض الدول المصدِّرة للغاز (قطر مثلاً) بربط شبكتها مع شبكة «خطّ الغاز العربي»، والمرتبطة بدورها بشبكة الغاز التركية عبر وصلة حلب - كلس، الأمر الذي يتيح لهذه الدول تصدير بعض إنتاجها إلى أوروبا أو إلى البحر المتوسط؛ وبين توجّه دول نفطية خليجية إلى مدّ شبكة أنابيب لتصدير جزء من نفطها عبر الأردن وسوريا إلى الأسواق الأوروبية ليكون ذلك بمنزلة خيار داعم ومكمّل لخيار البحر الأحمر وخليج عمان، والمُهدَّديْن أيضاً بالإغلاق في ما لو توسّعت الحرب. ومثل هذه الشبكة يمكنها أن تشكّل مع منفذ البحر الأحمر خياراً مُجدِياً للسعودية، يتيح لها تصدير كامل كميتها اليومية في حال حدوث اضطرابات جديدة في مضيق هرمز مستقبلاً.
ماذا ستفعل إسرائيل؟
هذه الخيارات تبدو سهلة على الورق وألسنة المحلّلين، في حين أنها عملياً تواجه تحدّيات كثيرة أبرزها ثلاثة: حاجتها إلى تمويل ضخم يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يبدو غير متوفّر على المدى القريب لأسباب عدة؛ الوقت الذي يتطلّبه تنفيذ هكذا مشروع والممتدّ لسنوات؛ والأهمّ حالة عدم الاستقرار التي تعيشها سوريا سياسياً وأمنياً، ولا سيما مع عودة نشاط «داعش» وانتشار خلاياه في البادية السورية، حيث من المتوقّع أن تمرّ بعض هذه الخطوط. ومن شأن ذلك أن يجعلها عرضة للاستهداف والتفجير، مثلما حدث سابقاً لـ«خطّ الغاز العربي» ولشبكة نقل النفط المحلية خلال سنوات الحرب السورية.
ولعلّ السؤال الأهم الذي يُطرح هنا هو: هل ستسمح إسرائيل لمثل هذه المشاريع بأن تتمّ بعيداً عن مرافئ الأراضي العربية المحتلة؟ وماذا يمكنها أن تفعل للحيلولة دون تنفيذها؟ تعمل إسرائيل منذ سنوات، وكما هو معلوم، على تحويل مرفأ حيفا إلى وجهة أساسية لتجارة الترانزيت في الشرق الأوسط، تساندها في ذلك الولايات المتحدة التي أطلقت منذ عدّة سنوات فكرة «الممرّ العظيم»، والذي يربط الهند بمرافئ الأراضي العربية المحتلة مروراً بالسعودية، في محاولة واضحة لتحييد دور قناة السويس والمرافئ السورية واللبنانية والتركية مجتمعة. ومع هذا، فإن المشروع لم يبرح كونه فكرة لم تُترجَم على الأرض، وبالتالي فإنه من غير المستبعد أن تعمد تل أبيب إلى محاولة إفشال أيّ مشروع يعيد تموضع سوريا على خريطة تجارة الترانزيت النفطية والغازية، إلا إذا أخذت واشنطن على عاتقها رعايته.